تكشف فشيللا رونج فى صفحات من كتابها الجديد "على خطى السيد كورتز" النقاب عن مدى التردى الذى بلغه الغرب فى تساهله ودعمه المطلق لنظام موبوتوسيسى سيكو فى زائير على مدى 32 عاما ايثار لمصالحه الاقتصادية وتحقيقا لمآربه الخاصة التى لا تقيم وزنا لحقوق الشعب الزائيرى.
تستند المؤلفة فى جزء مهم من بحثها عن الحقيقة إلى التقرير الذى كان أعده المصرفى الالمانى الراحل "ايروين بلومنثال" الذى حاول لفترة قصيرة علاج اسقام زائير المالية فكانت تجربته من المرارة والاهوال التى كابدها من الضخامة بحيث جعلته لا ينام من بعدها الا ومسدسه المحشو المهيأ للإطلاق تحت وسادته .
لم يكن "بلومنثال" مناضلا ولا بطلا مغوارا الا أن ما شاهده عيانا وخبرة عن هذا البلد الافريقى الذى كان يفترض أن يكون فردوسا ارضيا لكثرة ثرواته الطبيعية وتكالب الثالوث الاستعمارى المريكى الفرنسى البلجيكى وتواطئهم مع طاغوت البلاد الذى نهب البلاد على مدى ما يزيد على ثلاثة عقود من عام 1965 وحتى ارغامه على الرحيل إلى منفاة عام 1997 اخرج هذا الاكاديمى عن طوره وجعله يلقى بالقفاز فى وجه من ارتكسوا إلى النفاق ليكون بذلك اول من عرى امام الرأى العام بعضا من آلية الفساد المالى الذى استشرى طوال عهد عرى موبوتو.
فخلال الاعوام التى ابتدأت بأزمة زائير الاقتصادية عام 1975 وحتى رحيل سيكو إلى منفاة تلقت زئير 9.3 مليار دولار من المساعدات الاجنبية وكان يصل إلى هذا البلد 331 مليون دولار سنويا فى الفترة ما بين 75 وحتى عام 84 ليرتفع هذا المعدل إلى 542 مليونا فى العام بين عامى 85 إلى عام 94 وكان الشطر الاعظم من هذا التدفق الغزير من الاموال من نصيب سيكو حيث يصب فى حساباته الخاصة فى بروكسل وفرانكفورت وجنيف ولندن وغيرها.
ويتناول تقرير "بلومنثال" الذى طلب منه اعداده بعداستقالته من منصبه الذى عهد به اليه صندوق النقد الدولى والذى شغله لمدة عام واحد حتى سنة 1978 مديرا لبنك زائير المركزى، دور البنك والصندوق الدوليين هاتان المنظمتان تغضان الطرف عن فساد السلطة فى زئير حتى حقبة التسعينيات بعدما وصلت البلاد إلى حافة التسول والانهيار الا أن اشد فقرأت تقرير "بلومنثال" احراجا لحلفاء موبوتوسيسكو فى الثالوث الاستعمارى وصندوق النقد والبنك الدوليين هى تلك التى تتحدث عن كيفية استغلال سيكو ثروته الطائلة لشراء التأييد والدعم الاجنبى وشراء الضمائر عن طريق الرشاوى التى تقدم برسام الهدايا.
وخلال الفترة التى اعد فيها التقرير كانت اربع خطط لصندوق النقد الدولى قد اخفقت فى تحقيق اى نوع من الاستقرار لوضع زائير الدولى، ورغم ذلك تواصلت عمليات اعادة جدولة مديونية زائير واستمرت تسع مرات ما بين عامى 1976 و 1989 ولم يقرر البنك الدولى وقف برنامجه لتمويل زائير الا فى عام 1990 ثم تبعه فى خطواته الصندوق الدولى ولتحذوا الدول المانحة حذوهما بعد ذلك. ويورد التقرير المذكور فى الكتاب بعضاً من الاساليب القذرة التى كان سيكو يوظفها لاسكات اى صوت لمنتقديه والتى تلقى الضوء على خوف بلومنثال الدائم من الاغتيال إذا يتحدث عن فاجعة ممثل هيئة بريتون وودز الذى اقدم على عمل ازعج موبوتو فى اواخر السبعينات فما كان من هذا الاخير الا أن اوعز إلى وحدة من الجيش الزائرى فداهمت سكن هذا الدبلوماسى فى حى السفارات الهادىء فى وضح النهار وقامت بضربه ضربا مبرحا واغتضاب زوجته وبناته وعندما استدعت الجيران الشرطة بعد أن طالت ساعات التنكيل والاستغاثة رفض البوليس التدخل.
وظلت زائير ترزح تحت حكم موبوتو لمدة اثنين وثلاثين عاما وهو ينعم بمظلة تأييد فضفاضة إذ تعامت أمريكا وفرنسا وبلجيكا عن فظائعه من اجل عيون الذهب والنحاس والكوبالت وليذهب شعب زائير إلى الجحيم طالما أن مناجم البلاد مشروعة الابواب لقوافل اللصوص المحترفين بمباركة موبوتو الذى لم يألو جهدا فى امتصاص دماء بلاده وظل يصول ويجول فى ميادين الخداع والارهاب.
يبدو جليا فى كتاب "على خطى السيد كورتز" أن مؤلفته منشيلا رونج تقف مع الفريق المضاد لرئيس زائير المنفى موبوتو سيسكو فقد رصدت مدى تردى الاوضاع الذى بلغته زائير على مدى حكمه الذى استمر 32 عاما.